الثقافة والدين
هناك من يرفض فكرة الفصل بين العلم والدين انطلاقاً من أنها أولاً تمثل نظرة تنتمي إلى منهج وضعي تجاوزه تطور الفكر منذ زمن بعيد. وهي ثانياً تعبر عن توجه علماني يتكامل مع فكرة فصل الدولة والسياسة معاً عن الدين. وحسب هذه النظرة، يبدو الدين في إطار فكرة الفصل هذه مجرد ظاهرة ثقافية. لنبدأ بموقع فكرة أن الفصل من المنهج الوضعي. من المعروف أن المأخذ الرئيسي على المنهج الوضعي أنه متطرف في إمبيريقيته، أو أنه يذهب بعيداً في الإعتراف بظواهر الأمور، وأنه يعتبر الحقائق أو المعلومات كأشياء حيادية ومستقلة عن ذات الباحث أو المفكر... إلخ. وهذا مأخذ صحيح. لكن هل يعني هذا أنه يجب التضحية بفكرة الفصل بسبب هذا المأخذ؟ في المرونة العلمية للمنهج، وإمكانية التطور المنهجي مساحة كافيه تمكننا من تجاوز المأخذ المذكور، أو بالأخذ بمنهج آخر، مثل المنهج التحليلي، أو المنهج الماركسي، أو المنهج التاريخي المقارن. وهذه كلها مناهج تتفق فيما بينها، ومن دون استثناء، على ضرورة الفصل بين الدين والعلم كمنهجين معرفيين مختلفين فيما بينهما كل الاختلاف. ومن زاوية هذا الاتفاق أو الإجماع المنهجي يبدو المأخذ الوضعي للرافضين لفكرة الفصل من دون أساس. وذلك لأن التخلي عن المنهج الوضعي، وهو أمر ممكن جداً، إلى منهج آخر لن يؤدي إلى رفض فكرة الفصل. على العكس ستبقى فكرة الفصل كما هي، لكن ستتم مقاربتها بطريقة مختلفة تتناسب وطبيعة المنهج البديل. ومن ثم فإن فكرة الفصل بحد ذاتها ليست فكرة وضعية، حتى وإن كانت ولادتها تمت داخل المنهج الوضعي. هل المنهج الديني يؤيد فكرة الفصل، أم يرفضها؟ سؤال مهم ومركزي. هناك داخل الفكر الديني من يرفض هذه الفكرة. وهناك من يشابه بين العلم والدين، وبالتالي يؤكد أسبقية الدين في الكشف العلمي عن حقيقة الطبيعة، أي أصحاب نظرية الإعجاز العلمي للقرآن، مثلاً. وهناك من يرى ضرورة تفادي الخلط بين الدين والعلم. تشير هذه التعددية في النظرة إلى الموضوع إلى أن في الدين، والفكر الديني بشكل عام، مساحة كافية لقبول فكرة التمييز المفضي إلى الفصل بين الدين والعلم. وبالتالي، إذا كانت فكرة الفصل ليست فقط مقبولة بل تعتبر شرطاً لدى كل المناهج العلمية، وإذا كان الفكر الديني يتسع لقبول الفكرة نفسها، فإن هذا يعني توفر أسس معرفية علمية ودينية تبرر فكرة الفصل، بل وضرورته أيضاً.
نأتي إلى السؤال الآخر: أو هل الدين بناء على ذلك مجرد ظاهرة ثقافية؟ هذا سؤال مركب، ويبدو أن من يطرحه ينطلق من فرضية مضمرة، وهي أن الإقرار بذلك، أو أن الدين ظاهرة ثقافية، يعني أن الدين لم يأت من عند الله، وإنما اخترعه الوعي الإنساني لنفسه. وهذه مجرد فرضية لم يتم إثباتها. فكون الدين ظاهرة ثقافية لا يعني بالضرورة أنه غير منزل، وتحديداً بالنسبة للأديان السماوية. هذه مجرد فرضية علمية قابلة للإثبات والنفي. وفي مقابلها فرضية أخرى، ترى عكس ذلك تماماً. هنا يبرز سؤال آخر ومكمل: هل الدين جزء من الثقافة؟ أم أن الثقافة جزء من الدين؟ في ظني أن الإجابة على السؤال الأخير تساعد، إن لم تحدد مسار الإجابة على السؤال السابق. الإجابة على السؤال الثاني هي كالتالي: لا يمكن أن يكون الدين إلا جزءاً من الثقافة، وليس العكس. فالثقافة تاريخياً سابقة على الدين، ولا يمكن فهم رسالة الدين وتطبيقها إلا من خلال الثقافة وأدواتها. ولو أخذنا الحالة الإسلامية، وتحديداً مصادر التشريع الإسلامي، ماذا سنجد فيما يتعلق بالرابط بين الدين والثقافة؟ سنجد ما يلي: هذه المصادر وحسب ترتيبها في كتب الفقه هي: 1-القرآن الكريم، 2- السنة النبوية، 3- الاجماع، 4- القياس. هناك مصادر أخرى مثل المصالح المرسلة، والرأي، والاجتهاد والأعراف. من بين هذه المصادر يأتي القرآن الكريم باعتباره المصدر الوحيد الذي نعرف عنه أنه نص منزل. تميز القرآن من هذه الناحية أنه دون وقت نزوله نصاً ومعنى. بعد ذلك، وفي الدرجة الثانية تأتي السنة النبوية، وتحديداً الأحاديث النبوية. وكون السنّة تأتي في درجة ثانية من الأهمية بعد القرآن يعني أنها أقل من القرآن من حيث انتمائها لمكانة التنزيل. وهذا طبيعي، لأن تدوين السنة تم بعد وفاة الرسول بما لا يقل عن مائة وعشرين سنة. وهذه هي المرحلة التي شهدت قمة الصراعات السياسية، وتبلور الفرق والتيارات بمختلف توجهاتها. وثانياً أن ما دون من السنة، وعلى العكس من القرآن، هو المعنى وليس النص الحرفي. ومن الطبيعي أنه نتيجة لذلك دخلت في تدوين السنة عوامل ثقافية بشرية مثل الذاكرة، والهوى، والمصلحة، والإمكانيات المنهجية، والقدرات الطبيعية الأخرى، إلى وغير ذلك من العوامل. وينطبق ذلك بشكل خاص على الأحاديث التي لا تتعلق بالعبادات المقررة نصاً والتي استمرت ممارستها منذ حياة النبي وحتى بعد وفاته، مثل الصلاة، والصوم، والحج. نحن لا نعرف على وجه التحديد المدى الذي لعبته العوامل الثقافية البشرية في صياغة السنة. لكننا نعرف على وجه التأكيد أنها كانت حاضرة، وبقوة لافتة في تدوين الأحاديث. من هنا جاءت درجات الحديث من الضعيف والآحاد، إلى الحسن، والمتفق عليه والصحيح... إلخ. ولعل ما تقوله المصادر عن الأعداد الكبيرة من الأحاديث التي ثبت أنها كانت موضوعة أو مكذوبة على الرسول، يشير إلى مدى حضور عوامل الثقافة. ماذا يعني كل ذلك؟ يعني أن السنة كمصدر للتشريع يتداخل فيها الديني والثقافي بشكل يصعّب الفصل والتمييز بينهما.
المصادر الأخرى، غير القرآن والسنة، كلها تقريباً مصادر ثقافية وليست دينية، أي أنها ليست نابعة من النص القرآني مباشرة، ولا من السنة كذلك، وإنما تعتمد عليهما من خلال الفهم والتأويل، والقياس. فالإجماع والقياس والرأي، كلها آليات ثقافية تتداخل فيها عوامل كثيرة أغلبها ينتمي إلى ثقافة الفرد والمجتمع. بل حتى النص القرآني، وهو في حد ذاته نص منزل، يمارس فعاليته في المجتمع من خلال الثقافة: التأويل، والقياس، والتشريع، والسلطة السياسية، والتعليم... إلخ. وفي ظني أن مصادر مثل المصلحة العامة أو العرف ليست مجالاً للاختلاف على أنها مصادر ثقافية بحتة، حتى وإن تداخلت مع الدين. كل ذلك يؤيد أن الدين جزء من الثقافة وليس العكس. يؤيد ذلك أن كل الرسالات السماوية جاءت بلغة الشعوب أو الأمم التي أرسلت إليها. لذا ليست هناك صيغة دينية واحدة، أو ليس هناك إسلام واحد، مثلاً، أو مسيحية واحدة. تعدد المذاهب والفرق في الإسلام والمسيحية أمر معروف. بل هناك صيغ ثقافية متعددة للدين تبعاً لتعدد المجتمعات. هناك الإسلام السعودي والمصري والإماراتي والكويتي والأميركي، والأوروبي. ثم هناك الإسلام التركي الذي تبلور أخيراً، وربما يستحق معالجة خاصة.
من ناحية أخرى، الثقافة منتج إنساني، والإنسان من مخلوقات الله. ألا تصبح الثقافة وتبعاً لذلك، وفي نهاية التحليل، من مخلوقات الله أيضاً؟ ألا يتكامل الوحي مع الثقافة في هذه الحالة؟ وبما أن التكامل بين الإثنين يحصل على الأرض، أي في المجتمع الإنساني وليس في السماء، فإنه يجب أن يخضع ليس لشروط السماء ومعاييرها، بل لشروط ومتطلبات المجتمع الإنساني في النجاح والنمو. ألا يبدو أن النظر إلى الموضوع من هذه الزاوية أمر جدير بالاهتمام؟